ابن كثير

155

البداية والنهاية

صعيد واحد ثم تصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي ( 1 ) . ثم قل : بسم الله رب الغلام ، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني ، ففعل ووضع السهم في كبد القوس ، ثم رماه وقال بسم الله رب الغلام فوقع السهم في صدغه فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات ( 2 ) فقال الناس : آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام ، فقيل للملك : أرأيت ما كنت تحذر فقد والله نزل بك ، قد آمن الناس كلهم ، فأمر بأفواه السكك فحفر فيها الأخاديد وأضرمت فيها النيران ، وقال : من رجع عن دينه فدعوه ، وإلا فأقحموه فيها ، وقال : فكانوا يتعادون فيها ويتواقعون ( 3 ) فجاءت امرأة بابن لها ترضعه فكأنها تقاعست أن تقع في النار ، فقال الصبي : اصبري يا أماه فإنك على الحق " ( 4 ) كذا رواه الإمام أحمد ورواه مسلم والنسائي من حديث حماد بن سلمة زاد النسائي وحماد بن زيد كلاهما عن ثابت به . ورواه الترمذي من طريق عبد الرزاق عن معمر ، عن ثابت بإسناده نحوه وجرد إيراده كما بسطنا ذلك في التفسير . وقد أورد محمد بن إسحاق هذه القصة على وجه آخر فقال : حدثني يزيد بن زياد ، عن محمد بن كعب وحدثني أيضا بعض أهل نجران عن أهلها أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان وكان في قرية من قراها قريبا من نجران - ونجران هي القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد - ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر ، فلما نزلها فيمون ، ولم يسموه لي بالاسم الذي سماه ابن منبه ، قالوا رجل نزلها فابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي فيها الساحر ، وجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر ، فبعث التامر ابنه عبد الله بن التامر مع غلمان أهل نجران ، فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من عبادته وصلاته ، فجعل يجلس إليه ويسمع منه ، حتى أسلم ، فوحد الله وعبده ، وجعل يسأله عن شرائع الاسلام ، حتى إذا فقه فيه جعل يسأله عن الاسم الأعظم ، وكان يعلمه فكتمه إياه ، وقال له : يا بن أخي إنك لن تحمله ، أخشى ضعفك عنه ، والتامر لا يظن إلا أن ابنه عبد الله يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان ، فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن به عنه وتخوف ضعفه فيه ، عمد إلى قداح ( 5 ) فجمعها ، ثم لم يبق لله اسما يعلمه إلا كتبه في قدح لكل اسم قدح ، حتى إذا أحصاها أوقد نارا ، ثم جعل يقذفها [ فيها ] قدحا قدحا ، حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه ، فوثب القدح حتى خرج منها لم تضره شيئا ، فأخذه ثم أتى به صاحبه ، فأخبره أنه قد علم

--> ( 1 ) الكنانة : بالكسر : جعبة السهام تتخذ من جلود لا خشب فيها ، أو من خشب لا جلود فيها . ( 2 ) في الترمذي : أن الغلام دفن ، قال : فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب وإصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل . ( 3 ) في المسند : يتدافعون . ( 4 ) مسند أحمد ج 6 / 16 - 17 - 18 . وما بين معكوفين في الحديث زيادة من المسند . ( 5 ) قداح : بالكسر جمع قدح : السهم قبل أن ينصل ويراش .